الشيخ البهائي العاملي

143

العروة الوثقي في تفسير سورة الحمد ( ويليه الرحلة لوالد الشيخ البهائي )

ورابعها : الدلالة على طريق السير والسلوك والانجذاب إلى حظائر « 1 » القدس ومحاضر الأنس بانطماس آثار التعلّقات الجسمانيّة ، واندراس أغشية الجلابيب الهيولانيّة ، فيكشف على قلوبهم السرائر ، ويريهم الأشياء كما هي بالوحي أو الإلهام أو المنامات الصادقة ، ويشغلهم عن ملاحظة ذواتهم وصفاتهم بالاستغراق في ملاحظة جلاله ، ومطالعة أنوار جماله . وهذا قسم يختصّ بنيله الأنبياء ، ثمّ الأولياء ، ثمّ من يحذو حذوهم من أصحاب الحقائق الذين نفضوا ذيولهم من غبار هذه الدار الدنيّة ، وكحّلوا عيونهم بكحل الحكمة النبويّة ، وإيّاه عنى بقوله - عزّ وعلا - : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ « 2 » . وقوله - عزّ وجلّ - : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا « 3 » ، فإذا تلا هذه الآية أصحاب المرتبة الثالثة ، أرادوا بالهداية المرتبة الرابعة ؛ وإذا تلاها أصحاب المرتبة الرابعة ، أرادوا زيادة ما منحوه من الهدى ، كما في قوله تعالى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً « 4 » ، أو الثبات عليه ، كما روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « اهْدِنَا : ثبّتنا » « 5 » . ولفظ الهداية على الثاني « 6 » مجاز ؛ إذ الثبات على الشيء غيره . وأمّا على الأوّل « 7 » ، فإن اعتبر مفهوم « الزيادة » داخلا في المعنى المستعمل فيه ، فمجاز « 8 » أيضا ؛ وإن اعتبر خارجا عنه ، مدلولا عليه بالقرائن ، فحقيقة ؛ لأنّ الهداية الزائدة هداية ، كما أنّ العبادة

--> ( 1 ) . في النسخ المخطوطة : « حضائر » ؛ والصحيح ما أثبتناه في المتن ، ومرّت ترجمتها في ص 134 . ( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 90 . ( 3 ) . العنكبوت ( 29 ) : 69 . ( 4 ) . سورة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ( 47 ) : 17 . ( 5 ) . « الكشّاف » ج 1 ، ص 67 ؛ « معالم التنزيل » للبغوي ، ج 1 ، ص 41 . ( 6 ) . أي : على إرادة الثبات . ( 7 ) . أي : على إرادة الزيادة . ( 8 ) . في هامش « ق » و « ش » و « ع » : « لأنّ الهداية لم توضع لمفهوم الزيادة وإن كان الزائد هداية . فافهم » . ( منه رحمه اللّه ) .